تعد العقود أداة أساسية تنظم العلاقات والمعاملات في شتى الجوانب التجارية والمدنية، ولا تقتصر أهميتها على الأفراد بل تشمل الشركات والمؤسسات بمختلف أنماطها. فـ”صياغة العقود التجارية” تمثل العمود الفقري لحماية الحقوق والوفاء بالواجبات بين الأطراف، حيث تبرز الحاجة لتوازن دقيق بين حرية التعاقد والقيود النظامية التي تفرضها القوانين والأنظمة المحلية. بداية من تحديد بنود العقد الرئيسي إلى التأكد من توافق الشروط مع النظام، يتضح أن جودة صياغة العقد ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى فعاليته في حماية كافة الأطراف.
يسعى الكثيرون لصياغة اتفاقيات تمكّنهم من تحقيق مصالحهم دون الإضرار بحقوق الطرف الآخر أو الوقوع في إشكاليات قانونية معقدة. إلا أنه مع تزايد التشريعات وتنوع الأنشطة الاقتصادية، أصبحت عملية إعداد العقود أكثر تعقيدًا وحساسية، لا سيما في الجانب التجاري الذي تحكمه قوانين متجددة وممارسات متطورة. من هنا، يصبح فهم كيفية بناء عقد قوي ومتوازن ضرورةً لا غنى عنها لكل صاحب مصلحة أو مزاول للأعمال التجارية.
وتفرض الأنظمة في العديد من الدول، ومنها المملكة العربية السعودية، مجموعة من الشروط الشكلية والموضوعية لصحة العقود، سواء في العقود التجارية أو المدنية. مما يلزم كل طرف بالتأكد من أن نصوص الاتفاقية لا تتعارض مع اللوائح المعتمدة أو تتجاوز ما تسمح به حرية التعاقد. تبرز هنا أهمية الإستعانة بالمختصين في صياغة العقود لضمان سلامة التعاقد من البطلان أو النزاعات المستقبلية.
في هذا المقال، سنسلط الضوء بتفصيل على كيفية صياغة العقود عموماً، والتركيز على العقود التجارية كنموذج عملي، مع تحليل التوازن بين حرية التعاقد والقيود التنظيمية، وأثر ذلك على الأمان القانوني للأفراد والشركات. إذا كنت مهتماً بحماية مصالحك في أي معاملة تجارية أو مدنية، تابع القراءة لتتعرف على خطوات صياغة العقود وفق أصلب المعايير القانونية وأهم التحديات والحلول العملية.
راسلنا عبر الواتساب لحجز استشارة قانونية
المفهوم القانوني للعقد وأركانه الأساسية

العقد في اللغة عبارة عن التزام وربط، أما في الاصطلاح القانوني فهو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام قانوني أو نقله أو تعديله أو إنهائه. لا تقتصر صياغة العقود على تدوين البنود، بل تتطلب فهماً عميقاً لعناصرها الجوهرية التي تبنى عليها صحة الاتفاق. ومن أهم الأركان التي يجب توافرها في أي عقد: الرضا، المحل، السبب، والأهلية، بالإضافة للالتزامات والضمانات الخاصة التي تميز كل نوع من أنواع العقود، خصوصًا العقود التجارية حيث تُحدد بها طبيعة المعاملة وتفاصيلها التقنية والمالية.
عنصر الرضا وأهميته للجميع
يُعتبر الرضا الركيزة الأساسية في التعاقد، إذ لا يكفي التقاء الإرادات إلا إذا كان ذلك ناتجًا عن إرادة واعية وخالية من العيوب مثل الغلط أو التدليس أو الإكراه. وعليه، يجب التدقيق في كافة الشروط وتفاصيل العقد للتأكد من تحقق هذا العنصر بين جميع الأطراف، فضلاً عن توثيق القبول بصورة واضحة تمنع اللبس أو الغموض لاحقاً.
عند غياب الرضا الصحيح، تصبح العقود عرضة للإبطال أو الانعدام القانوني، مما يؤثر سلبًا على استقرار المعاملات. وقد ثبت ذلك في عدد كبير من القضايا التجارية، حيث أدى اختلال عنصر الرضا إلى نزاعات طويلة الأمد بين الشركاء أو الأطراف المتعاقدة.
- يجب تقديم عروض واضحة وصريحة تفيد الرضا الكامل من جميع الأطراف.
- يُنصح بكتابة بيانات وصيغ القبول بالدقة الكافية تجنبًا لأي تفسير خاطئ.
- ضرورة خضوع الشروط لمراجعة محامٍ قبل التوقيع النهائي على العقد.
- تأكيد الرضا في الملحقات أو البنود الإضافية المتصلة بالعقد الأصلي.
- تضمين بنود تسوية الخلافات كتفعيل التحكيم في حال إخلال أحد الأطراف بالرضا.
الأهلية والمحل والسبب
لا يقل عنصر الأهلية أهمية عن الرضا، إذ يجب التأكد من أن كل طرف له القدرة القانونية على التعاقد، سواء كان فرداً أو شركة. ومن المسائل الشائعة التي تواجهها الشركات هي تساؤلات حول مدى أهلية ممثليها القانونية في إبرام العقود نيابةً عنها.
أما المحل فهو مضمون العقد أو ما يتم التعاقد عليه، فيجب أن يكون محل العقد مشروعاً وقابلاً للتعامل، وألا يكون مخالفاً للأنظمة أو النظام العام. وقد يقضي السبب على صحة العقد إذا كان فيه محظور أو خالف النظام، ولهذا تدقق الأنظمة المحلية والعالمية في تحديد مدى مشروعية كل عملية تعاقدية، وخاصة في العقود التجارية التي تتضمن مبالغ كبيرة أو معاملات تتعلق بالقطاع المالي أو الخدماتي.
- الأهلية القانونية تشمل التحقق من السن والشخصية الاعتبارية للطرف.
- المحل يجب أن يكون معلومًا وقابلاً للتحديد.
- عدم جواز التعاقد على أشياء غير مشروعة أو مخالفة للآداب العامة.
- التأكد من الغرض الحقيقي للعقد لمنع التحايل أو التلاعب.
- إثبات الأهلية والمحل تفصيليًا في مقدمة العقد أو في بند خاص.
الخصوصية في العقود التجارية ومتطلباتها
العقود التجارية تختلف جوهريًا عن العقود المدنية في بعض الجوانب، لا سيما وأنها تخضع لأنظمة وقواعد خاصة تحمي الثقة والمعاملات التجارية وتحد من المنازعات والتلاعبات. تركز صياغة العقود التجارية على أمور مهمة مثل الشروط الجزائية، التزامات سرية المعلومات، بنود عدم المنافسة، ووضع الأحكام المسبقة لمعالجة التعثرات أو النزاعات.
نماذج لصياغة العقود التجارية
يمكن لأي نشاط اقتصادي أن يواجه احتياجًا لتوقيع إحدى نماذج العقود التجارية مثل عقود التوزيع والوكالات وعقود الشراكة وعقود التوريد أو عقود الامتياز التجاري. تضمّ هذه العقود بنوداً خاصة تحتّم التدقيق في التفاصيل الدقيقة للعمليات، وتجعل من صياغة العقود ضرورة حاسمة للأعمال.
بناء عقد تجاري متكامل يتطلب سلسلة من الخطوات تبدأ بجمع معلومات الأطراف، ثم تحديد الأهداف والمصالح المشتركة، فعرض الشروط الفنية والإجرائية، ثم التعامل مع أية تعديلات لاحقة حتى التوقيع النهائي. كما يجب وضع إجراءات تفصيلية لمعالجة حالات القوة القاهرة أو الفسخ أو إنهاء العقد، وتحسين البنود المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والسرية.
- إدراج تفاصيل الأطراف وشخصياتهم القانونية والمخول بالتوقيع.
- توضيح محل العقد، المنتج أو الخدمة بدقة تامة دون عمومية.
- ذكر التزامات كل طرف بصفة محددة وواضحة وشاملة للجوانب المالية والزمنية والتنفيذية.
- فرض شروط جزائية واضحة في حالة التأخر في التنفيذ أو الإخلال الجسيم.
- تحديد طرق الدفع، وآلية الاستلام وأدوات المراقبة والمتابعة.
البنود الجوهرية والمكملة وأثرها التنظيمي
من الضروري أن يراعي العقد التجاري البنود الجوهرية (الأساسية) مثل القيمة، والمدة، وطبيعة الخدمة أو المنتج والضمانات، وكذلك البنود المكملة التي لا تقل أهمية مثل بنود الاختصاص القضائي أو البنود التفسيرية والتكميلية. فبدون معالجة هذه القضايا بوضوح تواجه الشركات مخاطر حقيقية قد تؤدي إلى خسائر أو نزاعات مكلفة.
تفرض اللوائح الحديثة في المملكة العربية السعودية وكذلك في دول مجلس التعاون الخليجي شروطاً صارمة لسلامة التعاقد، مثل الحد الأدنى للمدة أو الحد الأعلى للغرامات أو الصياغة الصريحة للعلاقة القانونية. لذلك أصبح ضرورياً دراسة الأنظمة ذات الصلة بالعقود التجارية قبل إعداد أو توقيع أي اتفاقية.
- إضافة فقرات تفسيرية لكل بند غامض مع وضع تعريف لكل مصطلح رئيسي.
- تحديد الاختصاص القضائي محل النزاع في حالات الخلاف جلياً في نص العقد.
- الاستعانة بملاحق أو اتفاقيات ثانوية لأي التزامات إضافية.
- الإشارة للبنود الإلزامية الواردة في النظام والتي لا يجوز مخالفتها.
- تفعيل آليات التحكيم أو الوساطة إذا لزم الأمر قبل اللجوء للقضاء.
التوازن بين حرية التعاقد والقيود النظامية
حرية التعاقد تعني حق كل شخص في إبرام أي عقد يحقق مصلحته الشخصية أو التجارية دون تدخل ما لم يخل بالنظام، لكن هذه الحرية ليست مطلقة وإنما تضبطها جملة من الضوابط النظامية. ينبغي على كاتب العقد أن يدرك الفارق بين البنود المسموح بإدراجها وبين المحظورة بموجب التشريعات الوطنية، خاصة أن بعض الشروط قد تكون باطلة بقرار النظام حتى وإن وافق عليها الأطراف.
حدود سلطة الإرادة في العقود
تستند القوانين غالباً إلى مبدأ سلطان الإرادة، حيث يحق لأطراف العقد تنظيم العلاقة فيما بينهم كما يشاؤون شريطة عدم مخالفة النظام العام أو الآداب. هذا هام جداً في العقود التجارية التي تقتضي مرونة في التشكل بحسب تطور العمليات التجارية. ومع ذلك، فثمة قيود نظامية تهدف لحماية المصلحة العامة مثل منع الاحتكار أو الحد من أسعار بعض الخدمات والمنتجات أو فرض معايير حماية المستهلك.
تمثل هذه المساحة المتوازنة بين الحرية والقيود ساحة اجتهاد يومي للمحامين والمختصين عند صياغة أي عقد، حيث لا يكفي فقط المعرفة الفنية، بل يلزم إدراك روح النظام والاتجاهات القضائية واللوائح المستحدثة في القطاع التجاري.
- تحديد مدى مشروعية شروط الجزاء أو التعويضات المتفق عليها نظاماً.
- الامتناع عن تضمين بنود تخل بمبدأ التكافؤ أو تعطل سريان النظام العام.
- التأكد من تطابق العقد مع الأنظمة الحديثة، مثل نظام الشركات أو نظام العمل أو نظام حماية البيانات الشخصية.
- معالجة أية استثناءات أو أحكام خاصة بموجب النظام في العقد ذاته.
- الاستعانة بالمصادر النظامية الرسمية عند تفسير معنى أو هدف أي بند.
القيود النظامية حسب نوع النشاط أو الأطراف
تختلف القيود النظامية تبعاً لنوع العقد أو القطاع الاقتصادي الذي ينتمي إليه، ففي العقود التي تتصل بالأموال العامة أو القطاعات المصرفية أو العقود المتعلقة بالملكية الفكرية، هناك أحكام تنظيمية ذات صفة خاصة أكثر صرامة تُضاف على حرية الأطراف.
كثير من النزاعات التجارية نشأت نتيجة الجهل بهذه القيود أو تجاهلها وقت التعاقد، حيث أدت أحياناً إلى بطلان العقد كلياً أو تعرض أحد الأطراف للمساءلة القانونية، ولهذا يجب دراسة القطاع ونوع النشاط قبل الشروع في الصياغة النهائية لأي اتفاق.
- مراجعة الأنظمة القطاعية مثل نظام العمل وعقوده أو نظام المنافسة في السوق.
- التحقق من وجود تصاريح أو موافقات رسمية سابقة على توقيع بعض العقود.
- إرفاق الوثائق والمستندات النظامية المطلوبة حسب نوع كل معاملة تجارية.
- تجنب استخدام العبارات العامة أو الغامضة في البنود الفنية أو المالية.
- الاستعانة بمراجع موثوقة، مثل موقع شركة تركي الجريس، للاطلاع على نماذج وصيغ العقود الحديثة.
خطوات صياغة العقد التجاري المثالي
لا توجد صياغة موحدة لكل العقود التجارية، لكن يمكن رسم خطوط عامة لأي نموذج عقد قوي، تعتمد على جمع البيانات، تحليل المصالح، تدقيق النصوص، ومراجعة توافق البنود مع النظام السعودي أو الأنظمة الدولية. كل خطوة من خطوات صياغة العقد تحمل في طياتها مسؤولية قانونية، ولهذا يجب تبني منهجية دقيقة منذ البداية لضمان إنتاج عقد متكامل وقابل للتنفيذ.
التحضير وجمع المعلومات التمهيدية
تبدأ عملية إعداد العقد التجاري بجمع كافة المعلومات عن الأطراف، وتحديد هويتهم القانونية، وكشف علاقاتهم السابقة أو أية التزامات مترتبة لديهم. كما يجب الاطلاع على سابقة الأعمال إن وجدت، ونوعية النشاط التجاري، وأي تفاصيل مرتبطة بالمنتج أو الخدمة.
تساعد هذه المرحلة في بناء الثقة، وتحد من المنازعات في المراحل اللاحقة، حيث أن غياب معلومات دقيقة يؤدي لتضارب التزامات أو حتى فشل الصفقة بالكامل.
- جمع نسخ من السجل التجاري أو السجلات الرسمية المماثلة لجميع الأطراف.
- طلب تفويض رسمي من الممثل القانوني للشركات المعنية.
- مراجعة الاتفاقات السابقة أو العقود الحالية خوفاً من التعارض.
- الاستعلام عن سوابق الأحكام القضائية بحق الأطراف (إن وجدت).
- تدقيق وضوح الأهداف النهائية للتعاقد وتوقع النتائج المرجوة.
كتابة البنود وتنظيمها وقائمة الملاحق
بعد جمع المعلومات تبدأ مرحلة كتابة البنود الرئيسية للعقد، بينما يجب تنظيم العقد في أقسام محددة تشمل نطاق العمل، مبلغ العقد، الشروط المالية وطرق الدفع، الضمانات، الآجال، الجزاءات، المسؤوليات، البنود التفسيرية وآليات تسوية النزاعات.
كل بند يجب صياغته بدقة ووضوح دون ترك مجال للاجتهاد أو التأويل الشخصي، خاصة في بنود الغرامات أو الشروط الجزائية أو ما يتعلق بفسخ العقد. ينبغي أيضاً إعداد قائمة بالملاحق أو الوثائق الداعمة، والتصديق عليها مع العقد الأصلي.
- بدء العقد بديباجة قانونية تشمل تعريف الأطراف بإسهاب.
- ذكر تعريف المصطلحات الفنية أو التجارية المستخدمة.
- تقسيم العقد لأبواب، مثل “الالتزامات المالية” و”الضمانات التنفيذية”.
- إرفاق ملحق خاص بقائمة الأسعار أو جدول الكميات المعتمد.
- تحديد نوعية المرفقات الإلزامية مثل شهادات الجودة أو شهادات الضمان.
مراجعة توافق العقد مع الأنظمة المحلية والدولية
من أخطر الأخطاء التي يقع فيها المتعاقدون تجاهل التحقق من مطابقة النصوص لأحدث اللوائح والتعليمات الملزمة، حيث قد يُعتبر أي شرط مخالف للنظام باطلاً أو سببًا لبطلان العقد بأكمله.
تتمثل الخطوة الأهم في استشارة محام مختص للتأكد من الالتزام بالنظم الإجرائية والموضوعية، وكذلك متابعة التغييرات التشريعية المستجدة في مجال التجارة المحلية أو الدولية، خاصة في العقود التي تشمل عناصر أجنبية أو أطرافاً دوليين.
- التأكد من سلامة الصياغة اللغوية والقانونية لكافة البنود النهائية.
- التدقيق في البنود المتعلقة بالتزامات الدفع الدولي أو تحويل العملات.
- التوافق مع أنظمة حماية البيانات والملكية الفكرية.
- إدراج بند بشأن اللغة الرسمية للعقد حال وجود نسخ بلغات أجنبية.
- مراجعة أي شروط متقدمة وضعتها اللوائح التنظيمية في القطاع المعني.
يمكنك حجز استشارة قانونية مع شركة تركي الجريس عبر واتساب بكل يسر وسرعة.